الثلاثاء , سبتمبر 26 2017
أخبار نسمه
أنت هنا: الرئيسية / يوميات (Diary) / تدوينة 2: داخل الباص في شوارع بروكسل
1,292 عدد المشاهدات
تدوينة 2:  داخل الباص في شوارع بروكسل

تدوينة 2: داخل الباص في شوارع بروكسل

  •  

    IMG_20141220_170253

     

    لطالما كنت أخشى التدوين، وما زلت أفعل، لكن من قراراتي لعام 2015 أن أبدأ مع الأمور التي أخشاها قبل التي أحبها، لا أعرف سببا لهذا القرار لكن ربما هو كسر للروتين على الأجواء سواء مع أصدقائي في غزة أو معي هنا في بروكسل . لذلك سأحاول أن أكون صادقة، وقد لا أفعل. دائما كنت أفضل الجانب التخيلي في كتاباتي و ذلك هروبا من الحياة التقليدية، فسحة كنت أرمي عليها ثقل الحياة وجديتها، رغم حبي للفنتازيا وتطرفي لبعض الأحيان، فلم أسْلم من فكرة إسقاطهم لنصوصي على حياتي الخاصة، أحيانا أنا أفعل كذلك حين أقرأ كتابا عاطفيا و ممتعا ككتابات مستغانمي مثلا، فلماذا أُحرم على الناس ما أحلله لنفسي في بعض الأحيان؟ لكم تمنيت أن تكون حياتي مشابهة لرواياتي حينها لن يصيبني ملل أبدا وستكون يومياتي غنية وممتعة !

    ربما أكون من الشخصيات التي لا تجيد الكلام الحلو والأفعال المجنونة، لكنني أعرف كيف أكتبها جيدا؛ قد يكون سببا داخليا  ناتجا عن واقع بليد و به أعوض علي نفسي خيبتي، من يعرف ؟ ما زلت أبحث في داخلي. أكثر اللحظات التي أتأمل فيها عما حولي وما في داخل حياتي حين أستقل المواصلات العامة،  أجلس وحيدة و الطريق طويل.  في أحيان كثيرة أنسى إحضار الكتاب في حقيبتي لسرعتي أو أكون قد شعرت ببعض الدوخة و أنا أقرأ بسبب حركة الباص مثلا فأتوقف عن القراءة متأملة. أن أتأمل عن قرار لا يحدث كثيرا فعادة هو ناتج لا إرادي و قلما أفعله عن تفكير مسبق. في البارحة مثلا، كانت قد استحضرتني عدة أفكار، قررت أن أكتبها بمجرد وصولي البيت،  لكن الأفكار طارت كعادتها، لأن ذاكرتي لا تحتمل. في هذا الصباح في طريقي مستقلة الباص قررت أن أكتب حتى لا أنسى، مازلت أحاول تذكر فكرة واحدة على الأقل ، دون جدوى ! ربما كنت أريد أن أكتب عن بلجيكا ووضعها المعقد مع ثلاث لغات رسمية، و معاناتي مع اللغة حين أحاول التكلم بالهولندية فأستخدم كلمات فرنسية أو محاولاتي في التكلم باللغة الفرنسية فأجد الكلمات الهولندية تتسارع الى فمي أولا، أو ربما كنت سأوضح أن الأوروبين أكثر فضولا منا وأكثر نميمة كذلك، نحن كمجتمع شرقي حين نفعل نُعرفها ” نميمة”، لكنهم يفعلونها بدون مسميات و دون وخز ضمير كذلك، أو ربما كنت سأقول بأنني توافقت مع صبية بريطانية تعرفت عليها في بروكسل و قد وعدتها بزيارة إلى لندن في اجازة الصيف القادم، حيث تقاربنا جدا و بسرعة رغم اختلاف اللغة و الثقافة و لكننا التقينا في نقطة مشتركة و لم تكن هذه النقطة دخولها الإسلام منذ سبع سنوات، رغم أنه أمر رائع، كان لقاء مشعا و إيجابيا، في حين لم أتفق مع فلسطينية تحمل نفس أطباع مدينتي و تشبه لغتي! لماذا نهرب من ملامح مدينتنا؟

    أنا أخاف الحشرات والحيوانات والطيور، رغم أنني أحب الطيور جدا وأحب القطط و أعشقها، لكنني أخشى حملها، يكفي أن أربت عليها وإن أَحَّبَت القطة لمستي فتأتي إلي متوددة فأفر هاربة كالمجنونة! يكفي أن ألمسها قليلا، ربما من بعيد،  كم أود لو يمكنني اقتناء قطة جميلة أربيها على طريقتي، لكنني لست شجاعة كفاية، أو لست على قدر المسؤولية، أو لا يناسبني هذا الدور ببساطة .

    في أكثر لحظاتي رعبا، حين كنت مستقلة مركبة المترو وأجلس كعادتي شاردة الفكر، دخل شاب إلى المترو ، يترك على رقبته ثلاثة جرذان لست متأكدة من العدد، لكن ما أقرفني هو تحرك الجرزان على رقبته بحرية وعلى كتفه كذلك،  هو يقف مستقيما يتحدث إلى شخص ما غير مبال بالصورة المقرفة التي عكرت مزاج البعض منا، والمرعب في الأمر أنه كان قريبا مني على نحو متر لا أكثر، كل ما أعرفه بأنني لم أتمكن من الجلوس ثابتة على مقعدي، كنت متأهبة للفرار، خوفا من أن يقفز أي من هذه الجرذان علي، فيقتلع عيني أو يأكل اصبع من أصابعي. أحلام و هبل الطفولة لا يتركنا بسهولة، مهما كبرنا وتوضحت الصورة فلا يمكن لخوفنا أن ينضج كذلك! كل ما فعلته بأنني خرجت مسرعة من المترو حين توقف، قبل محطتي التي أريدها، كان صاحب الجرذان يبدو بأنه سيظل في المترو كل العمر، لكنه خرج بدوره معي و كان خلفي مباشرة، فلم أحتمل الخوف فطارت دمعة من عيني و أنا أفر هاربة، فليضحك من يريد، أردت حينها ألا أفقد عينا !

    اقتربت أخيرا من المكان الذي أقصده، قبل أن يتوقف الباص بحثت عن ” اللاب توب” الذي توقف عن الحياة فجأة في البارحة، فوضعته في كرتونته المخصصة، لكي آخذه للمصلح، ليعالج له قلبه؛ فتعود الحياة إليَّ،  لكنني لم أجده فنظرت حولي جيدا، متسائلة من يا ترى قد سرقه وأنا منهمكة في كتابة هذه التدوينة، قلبي قفز من مكاني ولعنت هذه التدوينة التي أكتبها، و شتمت كذلك حظي و سرحاني الدائم، فجأة تذكرت بأنني صعدت إلى الباص  قبل 40 دقيقة بدون ” اللاب توب” و قد نسيته في محل الغسالات العام؛ حيث يقوم الناس الذين لا يمتلكون غسلات في المنزل بغسل ملابسهم هناك، صرت أفكر : هل يا ترى شخص ما أخذه؟   في هذا الوقت المبكر عادة لا يستخدم هذا المكان الكثير من الناس، فإذا عندي فرصة. و أخيرا اتصلت على ابنة صاحب المنزل الذي أقطن به، لم أسألها عن حالها من شدة ارتباكي بل طلبت منها بلطف شديد و ارتباك : هل يمكنك أن تبحثي لي عن اللابتوب في محل الغسلات؟

    بعد أقل من خمسة دقائق عاودت الاتصال : حين تعودين إلى المنزل، ستجدينه معي !

     

     

    كتبت هذه التدوينة داخل باص في شوارع بروكسل، حسب توقيت قطاع غزة/ الواحدة ظهرا .

     

     

  •  IMG_20140817_184118

عن nismah

اضف رد