الثلاثاء , سبتمبر 26 2017
أخبار نسمه
أنت هنا: الرئيسية / نصوص (Prose texts) / غزة داخل الترام !
3,142 عدد المشاهدات

غزة داخل الترام !

 

 

غزة داخل الترام !

 

رجلٌ يشبهني، وُلِد في غزّة ولم يعرف مدينة سواها لفترة طويلة. ثلاثون عاما لم ير غير جنوبها وشمالها. لم يألف مدينة غيرها. وها هو الآن يمتزج في بلد آخر.

ربما أخون غزّة لوجودي خارجها، حيث إنّني حرٌّ هنا وهم يعانون هناك. يختنقون حصارا، كم يُخجلني أن أنعم بالكهرباء ليلا ونهارا وهم يتوقون لبضع ساعات من الإنارة. هذا لا يمنعني من الاستمتاع بحريتي التي استردّيتُها مؤخّرا. لكن سعادتي ناقصة وفرحتي مؤقتة ولم تعد هذه الحرية ترضيني.

ها أنا أستقل الترام في شوارع مدينة أنتويرب. يصيبني ملل في بعض الأحيان فأقتله في استكشاف أماكن لم أتوقّف بها. أركبه دون أن أقصد وجهة محدّدة، بل أدعه يقودني في رحلة استكشافية لمنطقة لم أزرها سابقا. أتركه يفعل على ذوقه. وأنا أنقّل بصري بين الخارج والداخل.

كان يغفو ببساطة على المقعد المخصّص لكبار السن أو الأطفال. بدا هادئا جدا في غفوته مما جعلني أود لو أسند وجهه الناعس على كتفي. التوى عنقه؛ ليظهر ذلك واضحا من مسحة الألم على وجهه فيما شدّة النعاس تمنعه من فتح عينيه. كنت سأفعل لولا خوفي من أن يستيقظ وَجِلًا من رجل غريب يقترب منه على حين غفلة، ولو كان من أجل أن يسند رأسه ويجعله ينام بأريحية أكثر.

شعرت بحاجة لأن أنتمي لشخص ما، أو أدعه ينتمي لي.

ها هو يفتح عينيه بتثاقل حين توقّف الترام، لتصعد فتاةٌ ببشرة برونزية وعينين جذابتين. وجنتاها مرتفعتان قليلا مما زاد ملامحَها جمالا. ترتدي جاكت رسمية مع بنطال طويل، بدون آثار للمكياج على وجهها. لا تحتاج إليه مع بشرتها النضرة طبيعيًّا. بدت منهمكة في التفكير بجدّية. لم ينتبه أحدٌ من الرّكّاب إلى جمالها. والتفتَتْ أعين النساء والرّجال إلى تلك الفتاة التي استقلت الترام وهي ترتدي تنّورة قصيرة فوق الرّكبتين مع بلوزة بحمّالتين رفيعتين تُبرزان نعومة كتفيها واستدارة صدرها. عيناها ليستا عسليتين ولا سوداوين، ولا شعرها… ورغم ذلك أثارت الجميع. لكنها لم تثرني، فهي لا تشبه مدينتي. لا تشبه حبيبتي. فقد كنت منهمكا بهذا الكائن الصغير والجميل الذي يغلق عينيه مجدّدا عائدا للنوم، إنه يذكّرني بغزّة.

كنت أسمع صبيّتَيْن تتهامسان حول شاب يقف بجانب الباب الخلفي وهو يسترق بدوره النظر لكلتيهما دون أن يظهر عليه أيُّ ميلٍ لإحداهما على حساب الأخرى. أو تراه لم يقرّر موقفه بعد تجاه إعجاب الفتاتين وتنافسهما عليه. أنا أشعر بأنني أشبهه في تردّده. مازال صغيري ينام على مقعده بأريحية دون أن ينتبه لأيٍّ من الفتاتين، أو لتلك الفتاة الجميلة بشعرها البنّي وهي تقبّل حبيبها دون أن يعكّر صفو قبلتهما ضجيج الترام. ينسجان عالمهما ويظهر حبّهما للعيان، وأنا أتساءل: “هل سيدوم حبّهما طويلا، أم سيفترقان؟”

قصتي مع غزّة تشبههما كثيرا. لطالما تبادلتُ الحبّ معها أمام الناس وليومنا؛ غزّة مازالت معاقَبَةً وأنا حُرٌّ هنا. غزّة اسم يليق، لأوّل وهلة، بفتاة جميلة تُعاقَبُ لمجرّد أنها تحمل فتنة ربّانية. يشار إليها بالتهم، وبنظرات ملؤها الشّك والريبة. وإن أدركوا خطأهم قد يقولون “إنّ بعض الظن إثم”. لم أدرك حتى هذه اللحظة كَمْ كانوا رحماء بي، وكَمْ كانوا قساة عليها.

على اختلاف الجنسيات الموجودة، التي تكاد تكون من جميع أنحاء العالم، يمكنني تمييز أغلب اللغات بمجرد سماعها، رغم أنني لا أفهم فحوى الحديث. هنا تعلّمتُ كيف أميّز بين اللغات دون أن أفهم. ميزةٌ أهدتني إياها بروكسل، وأنتويرب لاحقا.

هذا الكائن الجميل يتحرّك في مقعده، فأكاد أشتمُّ رائحة غزّة من عطره. تصيبني رعشة جميلة لم أعرفها وأنا في أحضان فاتنة متفانية في إرضائي. أمّا بيسان، فهي قصة مختلفة. كنت مستمتعا وأنا أنصت إلى حديثها. يثيرني هذا العنْد الغزّاوي الذي كان سببا في قتل حكايتنا.

حين توقّف الترام، دخلَتْ فتاتان تتحدثان بالفرنسية بصوت خافت. فمدينة أنتويرب تنطق باللهجة الفلمنكية (هولندي) وتفضّل اللغة الإنجليزية في التعامل مع زوّارها. الفتاتان إحداهما شقراء والأخرى تمتلك شعرا أسود. كانتا جميلتين ومتنافرتين. قاطع حديثهما الهامس رنين الهاتف لتجيب صاحبة الشعر الأسود بلهجتها العامية العربية: بالصح !! اني مشopen  بالزّاف حتى يسوّلني، الأوربية ديالها تجاوب أكثر، حتى حبيبها عربي.

لم أقصد أن أضحك، وكنت كالمجنون أودّ لو أقترب منها لأسألها موعدا إن كان هذا يطيّب خاطرها. لن أسألها شيئا في المقابل، ولن أطالبها أن تكون open كذلك. فلم تعد تغريني الفتيات الصغيرات اللائي يقعن في الحب بسهولة. ستنضج أكثر من سنوات عمرها العشرين، وستعرف كم كانت حمقاء حين بكت أطلالا ستختفي معالمها لاحقا. ها هو صغيري يفتح عينيه فأودّ لو أقترب منه وألفّه بين ذراعيّ، وأختم على وجهه قبلة. لماذا هو بالذات يصيبني بهذه الوعكة العاطفية؟ ولما هو بالذات أحسّه قريبا مني؟! ها هو ينثر في وجهي رائحة البحر وأكاد أتذوّق طعم ملوحته في فمي. تلاقت عينانا للحظات ولم يعرني اهتماما، فكدتُ أُجَنّ. عاد إلى نومه ببساطة. كأنّه يلبس غزّة ويتضمّخ برائحة مينائها، ويتعطّر بترابها. لماذا يتجاهلني؟ هل غزّة غاضبة لأنني أستردّ بعضًا من حرّيتي خارج أسوارها؟ غضبُهُ يشبه غضب بيسان الذي لم أفهمه حينما قرّرَتْ أن تهجرني دون أن تعاتبني أو تعطي قصّتنا أدنى فرصة. اتّخذَتْ القرار وحدها، بطيشها وعنادها. عادة ما أستقلّ الترام ساهما دون أن ألحظ أيّا من الركاب. اليوم قرّرتُ أن أرى ما غفلتُ عنه سابقا؛ فرأيت غزّة هنا. وبدأتُ أرى أمورًا اعتدت رؤيتها، فلم تعد غريبة بالنسبة إليّ، بل صارت جزءًا من حياتي اليومية.

ها هو صغيري الذي ربما يناهز الأربعة أعوام مازال على حالة من السبات. مرّت كذلك أربع سنوات لم أر بيسان فيها ولو مرّة واحدة. ها هو تهدهده حركة المحرّك. ومازلت أنا مرتبكا أمام براءته التي تشدّني إليه كأنّه من صلبي، من امرأة عاشرتُها غيابيا فأنجبَتْه وأخفَتْه عني.

– إنه طفلي !يحمل ملامح غزّة ورائحة غزّة وكبرياء فلسطين، ويكاد يكون طفلي الذي حرمتني إياه بيسان بهجرها. فلماذا يا امرأةً أخفيتِ طفلي عنّي؟

نظرتُ نحو والدته التي تظهر أصولها اللاتينية بوضوح من خلال ملامح وجهها وبشرتها البرونزية وبروز مفاتنها. مربوعة القدّ وجميلة. حاولتُ أن أتذكّرها لعلها سبق ونامت في فراشي. لكن ذاكرتي تخونني وأنا مصمّمٌ على أن أتذكّر. فهذا الطفل فيه شيءٌ منّي. بدأتُ أتساءل مع نفسي: هل دخلت حياتي امرأة لاتينية؟

لو لم نفترق لكان هذا ابننا، لكن الفراق كان قدَرَنا. رغم أننا حاولنا، ولكننا خسرنا هذا الحب. هي فرّتْ ولم تترك خيطا واحدا يدلّني عليها. كانت مصمّمة على الفراق بعنادها الغبي.

المرأة اللاتينية منشغلة بحديثها مع امرأة ستينية ذات عينين جميلتين بلونهما الأزرق الباهت، ويظهر واضحا مرور السنين على ملامح وجهها إلا أنّها تحتفظ بجمالها ولمعان عينيها. تبدو ودودة جدا وهي تحكي عن ابني كلمات لطيفة وتدعوه بالطفل الوسيم. كيف لا تكون غزّة جميلة؟ لابد أن تكون كذلك وهي مزيج من الجمال الرّبّاني. مزيج بين جمال الفردوس ونار جهنم على الأرض. هذا هو الحال في غزّة.

سار الترام فانتابتني مشاعر قوية تدعوني لأستعيد طفلي الذي سرق مني عدة أعوام، لم أمارس خلالها حقوقي الشرعية كأب له. هم يتلصّصون على تلك الفتاة العشرينية وشعرها المنساب بحرية على كتفيها العاريين، وأنا أتلصّصُ على سنوات عزوبيتي السابقة وأحاول إدخال أمّ هذا الطفل في حياتي عنوة، وكأنني أًدْخِل غزّة إلى حريتي.

– أريد ابنَها طفلًا لي، وأريده حرًّا.

توقّف الترام مجدّدا ليصعد فريق “الكنترول” لمراقبة استخدامنا لبطائق السفر. حملات مفاجئة يقومون بها من حين لآخر. ما هي سوى لحظات حتى حاول شابٌّ الفرار نحو الشارع بسرعة، لكن الحظّ لم يسعفه بسبب التفاف المراقبين حوله ليتمّ القبض عليه، ممّا أعطى فرصة الفرار لشابين آخرين دون أن يهتمّ لهما أحد. بدأ الشاب المسكين يبكي مستعطفا. ربما يقيم بشكل غير قانوني داخل بلجيكا، والقبضُ عليه دون أوراق ثبوتية سيشكّل له مشكلة كبيرة. إمّا السجن أو إرجاع قسري إلى بلده الأصلي. رفعتُ رأسي وقد خطفني المشهد ممّا حولي قليلا، ثم نظرت إلى المقعد الأول الذي كانت تجلس فيه غزّة على هيئة كائن جميل. لم أجد الطفل، فقد غادرَتْ والدتُه دون إنذار وخطفت غزّة مجدّدا مني. مازلتُ لا أذكُر متى دخلت والدته إلى فراشي؟ لعلها لم تدخله قطّ.

 

 
9_09_2012

الأحد
بلجيكا

 


الفيس بوك
https://www.facebook.com/nismaaklouk

عن nismah

2 تعليقات

  1. نص أنيق , لايرتقي اليه ايُّ تعليق

اضف رد