الجمعة , نوفمبر 17 2017
أخبار نسمه
أنت هنا: الرئيسية / نصوص (Prose texts) / يوم باريسي
1,153 عدد المشاهدات
يوم باريسي

يوم باريسي

يوم باريسي

 

          رغد اصطحبت  معها صديقتها بيسان نحو مطعم حبيبها الأثير، وطلبت شرابه المفضل، ووجبته المعتادة، حاولت أن تعيش لحظته، هَجرها فاختارت وَصل الوداد وصلا مع أماكنه المفضلة، وعاداته الصباحية وإن كانت لا تفعلها دونه،  بيسان شاهدة على نزف قلبها، تجلس مقابلها على الطاولة الباريسية، في وسط شارع سام ميشيل المزدحم بالسياح ويكتظ بالعاشقين.

 الباريسي مسرع الخطى نحو وجهته، دون اكتراث بما حوله، فقد اعتاد المدينة، لا يرى جمالها سوى عيني عاشق،  هي فقط تراقب الجميع من حولها،  كطفل محروم،  لعلها تجده وسط هذا الجمع.

تفكر بالبدايات التي كانت تشتعل بينهما، لم تظن بأن  هذه النهاية القاسية ستشهد فراقهما بهذه الجدية والقسوة غير المبررة، تظن بأن عودته إليها ستكون هدية الله لها في رأس السنة الجديدة؛ مكافأة لها، لتحبه أكثر وتحاول أن تؤدي فروضه بخشوع أكبر، هي تساوم من لا يساوَم، لكن الضعف مس قلبها،  لعلها تجد طيفه بين هذا الجمع الكبير الذي يستفز وحدتها، أو تشتم عطره على المقعد الذي ربما قد جلس عليه مرة.

تذوقت الكوكتيل المفضل لديه، وكأنها تتذوق بقاياه أو تلامس شفتيه الرفعيتين، أَحبت تفاصيله، شوقها إليه كان يَلبسها، وهي داخلهُ هشة وضعيفة، كانت بحاجة إليه ولا تعرف كيف تشرح لبيسان الجالسة في المقابل. بيسان ترمقها بنظرات ثاقبة  فترى عري جسدها وعورة حزنها بوضوح، فهي لا تبالي، بل إنها تستمتع بضعفها وشوقها المنكوب، لا تكلف نفسها وزرا أكثر من طاقتها، بل تركتهما يرسيان على السطح ببلادة مجنون، بان الوهن عليها جدا، كأنها تعبت من أن تظل قوية.  بيسان تساندها دون كلمات، تحاول أن تَفهمها و أن تفهم كيف يمكن للشوق أن يُعلَّ شخصا قويا مثلها، كيف يمكن له أن يقتل ؟!

كانت تتذكرها حيث كانت شعلة من الحب، تبدو شهية جدا؛ فقد تركها تسكن قلبه، وعانق حاجاتها، قَّبلَ شفاه الحزن لديها، واعتصر سنوات عمرها بين ذراعيه، فبدت طفلة خالية الهم، خالية من كل شي إلا منه.

 الآن رغد مهجورة وممتلئة الهم، كبُرت أعواما في الحزن، وضعفت شهية الطفلة لديها، كأنها تنتظر موتها ببطء. بيسان  تستنكر ما تمر به وتحاول أن تفهم وأن تحتوي حزنها  وألمها. رأتها تضع الكأس أمامها فارغا، رغم أنه لا يعجبها هذا النوع من الكوكتيل عادة، إلا أنها شربته حتى آخر قطرة بتلذذ كبير وكأنها تحتسيه هو.

نهضتا سويا ورغد تودع المكان بنظرات عينيها، تُقبل المكان وكأنه حبيبها يقف منتصبا أمامها، تسيران على ضفة نهر السين، و لتراقبا العشاق وهم يتبادلون قبلاتهم المحمومة، يُشهدون السين على حبهما، الذي على الأغلب لن يستمر، لكن حالة العشق من فرضت نفسها ونهر السين من أغراهم، يدفعهم للاعتراف بالحب، والإدلاء بالكثير من العهود التي لن يتمكنوا من الوفاء بها، مجرد حالة عرضية، زينها السين بأعينهم.

قالت رغد بحسرة و غيرة حب واضحة : كيف لهؤلاء أن يحافظوا على حبهم، وكيف أخسر أنا حبي الكبير؟ 

 شعرت بيسان بالشفقة نحوها، لكنها أخفت احساسها، ليخرج صوتها مكتوما: الحياة قاسية، وغير عادلة بالمرة.                                               
استمرتا في طريقهما، رغد تشير لأماكن عديدة في باريس تود زيارتها، تحفظ أسماءها عن ظهر قلب، وكأنها رأتها بأم عينيها مسبقا.
بيسان:  كيف يمكنك أن تعرفي باريس جيدا ؟ أليست هذه زيارتك الأولى؟

رغد: فعلا، لكنني أشعر وكأنني زرتها مرات عديدة، حين كان يخبرني عنها، ساردا تفاصيله مع هذه المدينة، أحببتها لأنه يحبها، وأصبحت مدينتي، يكفي بأنها المدينة التي شهدت خطواته، ولامست بجمالها عينيه، وبنسماتها الباردة خطفت لون وجنتيه، وسرقت من أجلي قبلات عديدة أرسلتها لي عبر رياحها التي كانت تمر ليلا عبر نافذتي بعد أن ينام كل من في البيت.  

بيسان: هل يمكن أن أقول بأنك غبية يا عزيزتي في الحب ! هل يجوز أن تحبي بكل هذا القدر ؟

بيسان عرفت الحب، ولكنها مارسته بحنية ولطف، غالبيتنا يظن بأنه يعيش قصة حب، والحقيقة ليست كذلك، فهناك من يعيش حياته كاملة دون أن يحظى بهذه الفرصة. ومنهم من يموت دون أن يدرك هذا.

عادت كلتاهما إلى حياتهما الطبيعية بعد هذه الإجازة القصيرة، هي لازالت لم تشفى من الحنين، وبيسان تحب على طريقتها اللطيفة، لا تعرف بأنها تفوت متعة كبيرة في أن تقع في الحب بغباء وجنون وضعف.

سافرت إلى فلسطين بعد غياب ثلاث سنوات، وعَلِقت هناك لمدة عامين بسبب إغلاق معبر رفح بين الحدود الفلسطينية والحدود المصرية، والذي يعتبر المنفذ الوحيد لأهل القطاع للسفر إلى الخارج، لم تتمكن من السفر،  فعَلِقت في أزمة انقطاع الكهرباء المتواصلة، وأزمة الرواتب، ودق قلبها هناك، كان لقاؤهما الأول من خلال بعض الأصدقاء المشتركين، لاشئ مميز في طريقة تعارفهما، ولم تقف الكرة الأرضية عن الدوران حين تلاقت عيناهما، لكن كان واضحا جدا بأن هناك أشياء كثيرة قد تحدث إن هي تركت بابها مواربا.

تركت بيسان الأمور على سجيتها، فشبت النيران في قلبها، تذكرت صديقتها العربية وهي تشتكي” لماذا تشعر المرأة بالضعف تجاه الرجل ” النسونجي” .  في حينها نفت عن المرأة هذه التهمة، معللة ذلك بأن المرأة لابد ستشعر بالنفور من ” إللى عينه بيضة” . ولكن ما يحدث على أرض الواقع مختلف كليا، فهناك من يجيد فن المغازلة بحيث تكون محببة للمرأة، وآخر لن يملك هذه الموهبة وإن حاول طويلا. فأن تجيد معاملة المرأة فذلك موهبة إلهية.

أَحبته بلطف كعادتها، لكنه لم يَقبل لطفها، أحبته بعقلها أيضا كما اعتادت، لكنه أحبها بتجاربه وخبرته في الحياة، عشقها بقوة فأحبته بالمثل، فتركت قلبها على هواه، ثم عَلِقت معه داخل قصة طويلة.

في بلادنا الحب لا يكفي، هناك أعراف مقدسة تختار قدرنا، وتقاليد تقيدنا وتبقينا تحت رحمتها، في بلادنا الحب ليس شيئا كبيرا، وربما هو أقل شأنا في كثير من الأمور، ذلك نتيجة طبيعية؛ حين يكافح الشخص يوميا لأبسط الأمور، سيُعد الحب رفاهية كبيرة لا يمكن أن نحتملها.  في أحيان كثيرة لا يجيد نفعا حين يحاول حبيبان أن يضمهما بيت واحد، ستعمل القوة الخارجية على تفريقهما بسوط العادات.

 خرج من حياتها قبل أن تُقبله قبلة واحدة، ومن ثم فهمت سطوة الشوق وأدركت بأنها نضجت به وبحبه، وبأنها حين حاولت  فهم رغد؛ لتواسيها لكنها لم تفعل في الحقيقة، بل أشفقت عليها، والآن؛ هي من تشفق على نفسها، مازالت تتردد على مسامعها كلمات حبيبها الأخيرة.

_ الحياة لئيمة جدا !

عادت إلى حياتها السابقة، ولكنها لم تنس بسهولة، حاولت ولم تنجح، خرجت من معبر رفح أخيرا بعد عدة محاولات باءت بالفشل، ها هي تسير بلا هوادة تبحث عنه في المارين، وتتخيل بأنه يشاركها وجبتها، يشاركها شرب الشاي، ويشاركها النوم. لكن هذا لم يكفها،  مرت بجانب مقهى فرأت حبيبين يبدوان مألوفين لها، لكنها لم تعر الأمر اهتماما وسارت في اتجاه التلة دون أن تركز بصرها على وجهيهما، وقفت تشاهد المدينة من أعلى نقطة، والبرد القارص يجلد بشرتها. رأت الحبيبين اللذين رأتهما في المقهى مجددا، ضحكت وهي لا تعرف من يلاحق من، هل هي من تبعتهما أو هما من تبعاها.  نظرا إليها إثر ضحكتها العالية، بعدما كانا يتبادلان قبلتهما بحب وشغف واضح، لم تكن الفتاة سوى هي !

صرخت  بيسان : أنا جُننت.

لا ألومها، فمن يخرج من داخل غزة غير مجنونا،  جرت بعيدا عنهما، فقد أدركت بأنها محاصرة بذكرياتها. شعرت بحاجة ملحة لترى صديقتها رغد، ماذا حل بها، قد مر عامان ولم يلتقيا بعد لقائهما الباريسي،  رغد عادت إلى بلادها الحارة في فصولها الأربعة، جواز سفرها الخليجي يسهل عليها السفر بسهولة، الآن خلقا الفرصة ليجتمعا مجددا، بيسان من ثابرت لكي يتم هذا اللقاء، جزء منها بدافع من الفضول، وأخر لكي تلتقي صديقتها.

رأتها، كانت تبدو وكأنها افترقت عنه في الأمس القريب، لم تباشر بيسان حديثها بمجاملات اعتيادية، بل سألتها بطريقة مباشرة.

 _ إذا، لم تنسه بعد؟

 

رغد:  إنها اللعنة ذات الحدين، لعنة جميلة بأن تقعي في الحب، و اللعنة القبيحة أن تخسري هذا الحب!

 

 

 

 

 

 

 

 

عينه بيضا *  : هو الرجل الدون جوان .

[/highlight]

عن nismah

اضف رد